الشيخ الطبرسي

359

تفسير مجمع البيان

ساجدين . ولم يقل ساجدات ، لأنه لما وصف هذه الأشياء بالسجود ، كما يوصف الآدميون بذلك ، أجرى فعلها مجرى فعل العقلاء ، وكما قال ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) وموضع الكاف من قوله ( وكذلك ) نصب . والمعنى : ومثل ما رأيت يجتبيك ربك ، ويعلمك . المعنى : ثم ابتدأ سبحانه بقصة يوسف عليه السلام ، فقال : ( إذ قال يوسف لأبيه ) يعقوب عليه السلام وهو إسرائيل الله ، ومعناه : عبد الله الخالص ابن إسحاق نبي الله بن إبراهيم خليل الله . وفي الحديث : ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم . ( يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) أي : رأيت في منامي . قال ابن عباس : إن يوسف عليه السلام رأى في المنام ليلة الجمعة ليلة القدر ، أحد عشر كوكبا نزلن من السماء ، فسجدن له ورأى الشمس والقمر نزلا من السماء فسجدا له . قال : فالشمس والقمر أبواه ، والكواكب إخوته الأحد عشر . وقال السدي : الشمس أبوه ، والقمر خالته ، وذلك أن أمه راحيل قد ماتت . وقال ابن عباس : الشمس أمه ، والقمر أبوه . وقال وهب : كان يوسف رأى وهو ابن سبع سنين ان أحد عشر عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة ، وإذا عصا صغيرة تثب عليها حتى اقتلعتها وغلبتها ، فوصف ذلك لأبيه ، فقال له : إياك أن تذكر هذا لإخوتك ! ثم رأى وهو ابن اثنتي عشرة سنة أن أحد عشر كوكبا ، والشمس ، والقمر ، سجدت له ، فقصها على أبيه فقال له : ( لا تقصص رؤياك على إخوتك ) الآية . وقيل : إنه كان بين رؤياه وبين مصير أبيه وإخوته إلى مصر ، أربعون سنة ، عن ابن عباس ، وأكثر المفسرين . وقيل : ثمانون سنة ، عن الحسن . ولما طال الكلام ، كرر رؤيتهم ، وأعاده للتأكيد . وقيل : أراد بالرؤيا الأولى رؤية الأعيان والأشخاص ، وبالرؤية الثانية رؤية سجودهم . واختلف في معنى هذا السجود فقيل : إنه السجود المعروف على الحقيقة لتكرمته ، لا لعبادته . وقيل : معناه الخضوع له ، عن الجبائي ، كما قال الشاعر : ( ترى الأكم فيه سجدا للحوافر ) ( 1 ) وهذا ترك الظاهر . ويقال : إن اخوته لما بلغهم رؤياه قالوا : ما رضي أن يسجد له

--> ( 1 ) الأكم جمع الأكمة : التل . والحوافر جمع الحافر : الدابة . وكثيرا ما يراد به الفرس .